فخر الدين الرازي
9
تفسير الرازي
ولا الذين يموتون وهم كفار ) * فعطف الذين يعملون السيئات على الذين يموتون وهم كفار ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار ، ثم إنه تعالى قال في حق الكل : * ( أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ) * فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار والفساق . الثاني : أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة ، فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الاعلام معنى . والجواب : أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * ( البقرة : 81 ) وأجبنا عن تمسكهم بها وذكرنا وجوها كثيرة من الأجوبة ، ولا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه العمومات ، ثم نقول الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات من قوله : * ( أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ) * هو قوله : * ( ولا الذين يموتون وهم كفار ) * فلم لا يجوز أن يكون قوله : * ( اعتدنا لهم عذابا أليما ) * عائدا إلى الكفار فقط ، وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أن توبتهم غير مقبولة ، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك ، فبين أن ايمانهم عند الموت غير مقبول ، ولا شك أن الكافر أقبح فعلا وأخس درجة عند الله من الفاسق ، فلا بد وأن يخصه بمزيد إذلال وإهانة فجاز أن يكون قوله : * ( أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ) * مختصاً بالكافرين ، بيانا لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والإذلال . أما الوجه الثاني : مما عولوا عليه : فهو أنه أخبر أنه لا توبة عند المعاينة ، وإذا كان لا توبة حصل هناك تجويز العقاب وتجويز المغفرة ، وهذا لا يخلو عن نوع تخويف وهو كقوله : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 48 ) على أن هذا تمسك بدليل الخطاب ، والمعتزلة لا يقولون به والله أعلم . المسألة الخامسة : أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت ، الكفار ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فهذا يقتضي أن الفاسق من أهل الصلاة ليس بكافر ، ويبطل به قول الخوارج : إن الفاسق كافر ، ولا يمكن أن يقال : المراد منه المنافق لأن الصحيح أن المنافق كافر ، قال تعالى : * ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) * ( المنافقون : 1 ) والله أعلم . المسألة السادسة : اعتدنا : أي أعددنا وهيأنا ، ونظيره قوله تعالى في صفة نار جهنم : * ( أعدت للكافرين ) * ( البقرة : 24 ، آل عمران : 131 ) احتج أصحابنا بهذه الآية على أن النار مخلوقة لأن العذاب الأليم ليس إلا نار جهنم وبرده ، وقوله : * ( اعتدنا ) * إخبار عن الماضي ، فهذا يدل على كون النار مخلوقة من هذا الوجه والله أعلم .